الحضن الدافىء
dimanche 8 janvier 2017
ديمقراطية فرعون
ديمقراطية فرعون بسم الله الرحمن الرحيم قد يستغرب البعض هذا العنوان. هل فرعون ديمقراطي؟ أليس فرعون طاغية؟ نعم، فرعون طاغية من الطغاة، لكنه ديمقراطي بمقياس الديمقراطية الغربية. وكان له مجلس شعب (كونغرس)، ويحتاج لتصديق هذا المجلس على قراراته لينفذها. بل يأتمر بأمره {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (الشعراء:من35). قال فرعون عن موسى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (غافر:26). فهو يطلب من المجلس إعطاءه الصلاحيات لقتل موسى عليه السلام. وكان المؤمن الذي يخفي إيمانه يدافع عن موسى في هذا المجلس. وبعد صراع ونقاش، قام المجلس بالأغلبية الديمقراطية بإعطاء فرعون الصلاحيات للحرب على الإسلام. {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الزخرف:54). قد يسأل البعض: ألم يدع فرعون الألوهية؟ {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص:من الآية 38) {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى} (النازعات:24). ونقول نعم، لكن الذي يسأل هذا السؤال لم يفهم معنى ادعاء فرعون للألوهية. فهو يريد أنه المشرع الأعلى، وأنه وحده الذي يطاع، وأن أوامره فوق كل أمر. أي تماماً كما يفعل طغاة اليوم. وليس مقصوده أنه خالق الكون، فهذا لو ادعاه لا يصدقه عليه أحد. بل إن فرعون وقومهم كانوا من الوثنيين المشركين عبدة الأصنام، وكان مجلس الشيوخ يطالب فرعون بحماية دينهم. {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف:127). ولاحظ كلمة {آلهتك}. فهو يعبد الأصنام مثل قومه. لقد كان فرعون يتظاهر بالديمقراطية أول الأمر. نعم، كان ديمقراطيا يناقش الحجج ويقول {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (الأعراف:106)، ويطلب من خصمه المناظرة أمام سائر الناس {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أَنتَ مَكَانًا سُوًى} (طه:من58) ولكن حين بدأ التغير يطال نظامه تغير منطقه وتبدلت أفعاله. فليس هناك نظام يفرط في هيكله ويرضى الانقلاب عليه فقط لأن الشعب أراد ذلك. هذه حقيقة لا يغفل عنها إلا السذج. إن فرعون لا يقبل الحوار إلا إذا كان في صالحه، فإذا أحس بالهزيمة استعمل لغة البطش والتنكيل. فالفراعنة لا يعرفون غير هذه اللغة: {قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ} (الشعراء:29). ومع ادعاء الديمقراطية والحرية، فهو يسيطر على أجهزة الإعلام، فلا يسمح لها أن تبث شيء يهدد وجوده {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر:من29). ومن هنا فقد قام فرعون بدعوة جميع السحرة كي يقارعوا موسى الحجة بالحجة، ولكن على طريقتهم؛ فهم آلاف في مقابل موسى. ومن خلال هذه النهاية التي انتهت بإيمان السحرة الذين جيء بهم ليكونوا عونًا لفرعون، فجُنَّ جنونه، فاتهمهم بالعمالة والتبعية لموسى، وتوعَّدهم بعقاب شديد {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ؟؟} (الأعراف: من123)، فتحدوه بإيمانهم وقبلوا أن يلقوا ربهم شهداء. أليست ديمقراطية اليوم تشبه ديمقراطية فرعون؟ {أَتَوَاصَوْا بِهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} (الذاريات:53).
المصلوب الذي قتله اليهود وادعوا أنه المسيح قال الله تعالى عن اليهود: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (النساء 4|158). فتضمن هذا عدة مسائل أهمها: أن اليهود لم يقتلوا المسيح عيسى عليه السلام، بل لم يصلبوه أصلاً، إنما رفعه الله إليه دون أن يمسوه. والذي صُلِبَ هو شخص آخر. فهذا الذي يقرره القرآن بكل وضوح. ومسألة الصلب قد اختلفت فيها طوائف من البشر اختلافاً عظيماً، من اليهود والنصارى، فجاء القرآن فأظهر الحق وأبطل أكثر الذي كانوا فيه يختلفون، وترك ذكر بعض التفاصيل لعدم أهميتها. فأهم الأقوال التي قيلت في الصلب، بالترتيب بحديث يكون الأرجح في الآخر: 1- المسيح قد صُلِبَ وقُتِل، وهو قول عامة اليهود والنصارى اليوم. وقد ذكر القرآن ادعاء اليهود بأنهم قد قتلوا عيسى عليه السلام، وكَذَّبهم ولعنهم لأجل ذلك القول. أما النصارى فقد اختلفوا أول أمرهم في هذه المسألة. ومن الثابت أن كثيراً من الطوائف النصرانية ظلت تعتقد طوال القرون الأولى بأن المسيح عليه السلام لم يُعلّق على الصليب قط. 2- المسيح قد صُلِبَ لكنه لم يُقتَل. وهو قول قديم، تبناه بعض النصارى المعاصرين (والقاديانية) تحت نظرية الإغماء. فيقولون بأن المسيح قد عُلّق على الصليب، لكن أحد الناس قد قدم إليه خرقة مغمورة بالخل، فأغمي عليه وحسب الناس أنه قد مات، ثم تم تهريبه، ومات ميتة طبيعية بعد زمن! والقرآن قد نفى القولين الأول والثاني بقوله {وما قتلوه وما صلبوه}. فلم يحدث له قتل ولا حتى مجرد صلب. 3- بعد أن رفع الله المسيح إليه، لم يجده اليهود، فادعوا أنهم صلبوه ثم قتلوه. ويؤيد هذا ما جاء في إنجيل يوحنا (7|34-35) من تحدي عيسى عليه السلام لليهود: "فقال لهم يسوع إنا معكم زمانا يسيرا بعد ثم أمضي إلى الذي أرسلني. ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا، لا تقدرون أنتم أن تأتوا". والجواب أن هذا التحدي لا يقتض أن اليهود لم يصلبوا أحداً مكانه. كما أن القرآن قد قرر بأنهم قتلوا وصلبوا رجلاً آخر اشتبه على الناس {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}. 4- اليهود أحد تلاميذ المسيح الذين افتدوا نبيهم بأنفسهم. فادعى التلميذ بأنه هو المسيح عندما طلبه الجنود. فشبه الأمر لليهود بأن ظنوا أنهم صلبوا المسيح و قتلوه. وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنه. رواه النسائي وابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو إسناد صحيح، وأظن قتادة ومجاهد وابن جريج أخذوا هذا منه. وذكره ابن منبه في روايتين متناقضتين في سياق قال عنه ابن كثير: "سياق غريب جدّاً". وذكره ابن إسحاق عن "رجل كان نصرانيا فأسلم". والظاهر أن هذه الرواية مأخوذة من أهل الكتاب، والله أعلم. وقد رجحها بعض المفسرين كابن كثير. و يؤيد هذه القصة ما ورد في إنجيل توما الذي تعود نسخه لعام 140م تقريباً، لكنه غير معترف به عند النصارى اليوم. ويظهر أن من نصارى العرب من كان يقول بتلك الرواية، فأخذها ابن عباس منهم. 5- ادعى إنجيل برنابا (112:15) أن المسيح قد أعلن بأنه سوف يحيا إلى نحو منتهى العالم، وأن جبريل قد أخبره بخيانة تلميذه يهوذا. ثم أعلن يسوع أن الله سيصعده من الأرض وسيغير منظر الخائن (يهوذا) حتى يظنه كل أحد أنه يسوع. فظنه اليهود بأنه هو المسيح عليه السلام فصلبوه و قتلوه. وبالرغم من أن هذه النظرية لا تتعارض مع القرآن، فهي معتمدة على كتاب للنصارى، لا نصدقه ولا نكذبه طالما لم يعارض الكتاب والسنة، وإن كان أصدق أناجيل النصارى الموجودة اليوم وأقلها تحريفاً. 6- صلب اليهود واحدا من الناس و ادعوا أنه هو المسيح بن مريم عليه السلام ليشبهوا الأمر على الناس بعد أن نجى الله نبيه. و هذا التفسير هو ما ذهب إليه ابن حزم و غيره. و يضيف ابن حزم في شرح جملة {شبه لهم} قائلاً (1|77): "إنما هو إخبار عن الذين يقولون بتقليد أسلافهم من النصارى و اليهود: أنه عليه السلام قتل و صلب. فهؤلاء شُبِّهَ لهم القول. أي أُدخلوا في شبهة منه. و كان المشبِّهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت و شُرَطهم المُدَّعون لهم أنهم قتلوه و صلبوه، و هم يعلمون أنه لم يكن ذلك. و إنما أخذوا من أمكنهم، فقتلوه و صلبوه في استتارٍ و منعٍ من حضور الناس. ثم أنزلوه و دفنوه تمويهاً على العامة الذين شُبِّهَ لهم الخبر". و ذهب قريباً من هذا الاستنتاج: النصراني ملمن في كتابه "تاريخ الديانة النصرانية" حيث يقول: "إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدقهم القرآن". والملاحظ اتفاق الأناجيل على أن الذين جاءوا للقبض على المسيح لم يكونوا على علم بشكله. فقد احتاجوا لعلامةٍ من يهوذا الذي أسلمه ليعلموا من هو الشخص المطلوب. يقول إنجيل مرقس (14|44-46): "وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلا الذي اقبّله هو هو. أمسكوه وامضوا به بحرص. فجاء للوقت وتقدم إليه قائلا يا سيدي يا سيدي، وقبّله. فألقوا أيديهم عليه وامسكوه". أما إنجيل يوحنا فيوضح بجلاء أن الشخص المقبوض عليه هو من ادعى أنه المسيح عليه السلام حيث لم يعلم الجنود و لا خدام اليهود شكله. يقول يوحنا (18|3-5): "فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح. فخرج يسوع -وهو عالم بكل ما يأتي عليه- وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري. قال لهم يسوع: أنا هو. وكان يهوذا مسلمه أيضا واقفا معهم". والذي يؤكده القرآن كذلك أن الذين قتلوه لم يكونوا يعرفون شكله. قال ابن تيمية: "وكذلك عند أهل الكتاب أنه اشتبه بغيره، فلم يعرفوا من هو المسيح من أولئك، حتى قال لهم بعض الناس أنا أعرفه فعرفوه". ومعنى {ولكن شُبّهَ لَهُمْ} أي: شُبّه لهم الأمر. أو بمعنى آخر: ليس المقتول و المصلوب هو المسيح و لكن شُبّه لهم أنه المقتول و المصلوب. قال الشوكاني في "فتح القدير": "وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه، وقتلوا الذين قتلوه، وهم شاكون فيه". ومعنى {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} إما "وما قتلوا ظنهم يقيناً" (أي الضمير في قتلوه يعود إلى الظن وليس إلى عيسى)، أو "وما قتلوا عيسى قتلاً يقيناً". وفي كلا الحالين فالمعنى هو أنهم قتلوا رجلاً لم يتيقنوا أنه عيسى بل كانوا يظنون ظناً أنه هو. وأنا أرجح القول الأخير الذي أيده ابن حزم، مع أني لا أجزم ببطلان القولين السابقين له. وعلى هذا يكون رجوع الفاعل في فعل "شُبّه" إلى اليهود، لا إلى الله عز وجل. فاليهود هم الذين ادعوا صلب وقتل المسيح عليه السلام بعد أن رفعه الله، وهم الذين لبّسوا على الناس. ذلك أنه لا حاجة لإلقاء الشبه على أحد أصحاب عيسى عليه السلام بعد أن رفعه الله إليه. وأي فائدة في ذلك؟ وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه؟ أما أن يقع هذا ليهوذا من باب العقوبة له فممكن، لكن ادعاء إلقاء الشبه على نبي لا يخلوا من إشكال. يقول الرازي: "إن جاز أن يقال: أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة، فإنا إذا رأينا زيداً فلعله ليس بزيد، ولكنه ألقى شبه زيد عليه، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك، وثوقاً به". {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (النساء 4|159) أي بعض أهل الكتاب سيؤمنون به وبحقيقة نجاته من الصلب، قبل موت عيسى عليه السلام في آخر الزمان عند نزوله، كما تواترت بذلك الأحاديث. بقي أن نعرف كيفية رفع عيسى عليه السلام. والصواب أن هذا تم بجسده وروحه في حال يقظته. والتوفي المذكور لا يمكن أن يكون هو النوم أو الموت. قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة 5|117). فقوله {فلما توفيتني} تشير إلى تغيّر من الحالة الأولى وهي وجوده بينهم {ما دُمتُ فيهم}. فالتوفي هنا هو الرفع إلى السماء. ومحالٌُ أن يكون هو النوم، لأن معنى الآية أن عيسى عليه السلام كان شهيداً عليهم في حال وجوده معهم، فلما توفاه الله، لم يكن شهيدا عليهم بعد ذلك. وقد كان ينام النوم الطبيعي قبل التوفي، فلم يكن ذلك مانعا لهمن الشهادة عليهم. فدل هذا على أن المقصود بالوفاة هنا غير النوم. والكلام على النصارى قبل نزوله في آخر الزمان ثم موته، كما دلت الأحاديث المتواترة. فظهر أن المراد غير الموت كذلك. وقد دلت على هذا الآية الأخرى كذلك. قال الله عز وجل: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا...} (آل عمران 3|55). معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، فرافعك إليّ. والتَّوَفِّي في اللغة: أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِياً تَامّاً، فهو بمعنى القبض والاستيفاء. يقال:"توفَّيت من فلان ما لي عليه"، بمعنى: قبضته واستوفيته. ومن ثَم استُعمل بمعنى الإماتة. لكن المقصود بالآية هو المعنى الأصلي، أي: قابضك من الأرض حيًّا إلى جواري، وآخذُك إلى ما عندي بغير موت، ورافعُك من بين المشركين وأهل الكفر بك .فليست هي وفاة الموت ولا وفاة النوم بل هي القبض من الدنيا واستيفاء الأجل الأول. وذكر الرفع بعد ذكر التوفي هو من باب تعيين النوع، لا من باب التكرار. وهو كذلك توكيد على أن الرفع هو بالجسد والروح معاً. قال الرازي: «إن التوفي أخذ الشيء وافياً. ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده». وعلى هذا اتفقت أقوال السلف. وقد روي عن الحسن البصري من أكثر من وجه. واختاره الفراء وابن قتيبة وغيرهما من اللغويين، واختاره ابن جرير الطبري. قال ابن زيد: «متوفيك: قابضك». قال ابن جريج: «فرفعه إياه إِلَيْهِ توفيه إياه، وتطهيره من الذين كفروا». أما تفسير الوفاة بالموت، فلم يصح عن أحد من السلف. وقد جاء في صحيفة الوالبي عن ابن عباس، وهذا إسنادٌ ضعيف. وقال به وهب بن منبه، وليس ممن يُعتد به لأن عامة علمه من الإسرائيليات. والعجيب هو قول ابن كثير: «وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم"». مع أن هذا لم يصح عن أحد من السلف. والإسناد إلى الحسن ضعيف. بل نقل شيخ الإسلام الإجماع على رفع عيسى بجسده فقال في بيان تلبيس الجهمية (2|419): «وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل رفع عيسى إليه في السماء». ومن قبله ابن عطية (ت542هـ) إذ قال في تفسيره المحرر الوجيز (3|143): «أجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي، وأنه سينزل في آخر الزمان». وقال بعض السلف وأهل اللغة: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: إني رافعك إليَّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعَه إلى السماء لا يمنع من موته. ولا شك أن هذا جائزٌ لغةً وشرعاً، لكنه خلاف ظاهر الآية. والله أعلم
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Article plus récent
Article plus ancien
Accueil
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire